مقدمة
في الجيوسياسة الإقليمية. حيث تساهم قضايا مثل مؤشرات التدخل العسكري الأمريكي المحتمل ضد إيران والحرب الأهلية في السودان واعتراف إسرائيل بأرض الصومال ووحدة الأراضي السورية، في تعميق حالة الغموض الإقليمي. وإضافة إلى ذلك فإن تصاعد حدة التنافس الإقليمي بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يضفي بعدا استراتيجيا على هذه الزيارة. وفي هذا السياق، يجب عدم قراءة الزيارة في إطار التواصل الثنائي فحسب، بل باعتبارها خطوة حاسمة نحو ترسيخ مسألة “التعاون الموجه نحو الاستقرار الناجم عن المخاطر المشتركة” التي باتت واضحة بشكل جلي في الساحة السورية.
القضايا المحتملة على جدول الأعمال: الدفاع والتوافق الاستراتيجي
تعد اتفاقية الدفاع الثلاثي بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان أبرز بنود جدول أعمال زيارة الرئيس التركي للرياض. ويمكن اعتبار انضمام تركيا إلى الإطار الاستراتيجي الذي وقعته السعودية وباكستان في سبتمبر/ أيلول الماضي مؤشرا على كيان أمني جديد في المنطقة. كما أن تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حول رغبة تركيا في حلّ القضايا الإقليمية على أساس “الثقة المتبادلة والتعاون الشامل”، وتصريحات الوزير المسؤول عن الصناعات الدفاعية في باكستان حول المفاوضات المستمرة منذ عشرة أشهر، تشير إلى نضوج هذه المرحلة.
هذا الكيان الثلاثي الذي كشفت عنه لأول مرة وكالة رويترز، يرفع العلاقات الدبلوماسية المتصاعدة لتركيا مع دول الخليج وجنوب آسيا إلى بُعد عسكري. وقد تطوّر هذا التقارب الذي يركز بشكل خاص على الصناعات الدفاعية، إلى مرحلة “التنسيق القائم على المخاطر” في مناطق الأزمات مثل اليمن وليبيا والسودان. ويعد الاجتماع المشترك الأول الذي عقد بين القوات البحرية التركية والسعودية في مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي تجسيدا ملموسا لهذا التقارب النظري على أرض الواقع.
يمهد الاتفاق الدفاعي الثلاثي إلى “كيان قوى تكاملي” يجمع بين القدرات الخاصة للدول الأعضاء. وفي هذا السياق، يمكن القول إنه في الوقت الذي تضمن فيه المملكة العربية السعودية استدامة هذه الآلية بفضل مواردها المالية الضخمة المخصصة للمشاريع، فإن تركيا تشكّل الركيزة التكنولوجية لهذا الاتفاق بفضل خبرتها الراسخة في الصناعات الدفاعية المتقدمة، بدءا من تقنيات الطائرات المسيّرة المراقبة والمسلحة وصولا إلى أنظمة الدفاع الجوي. أما باكستان القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي فهي توسّع نطاق هذه الشراكة لتتجاوز التعاون الدفاعي التقليدي، بفضل قدرة الردع الاستراتيجية التي تملكها. ويمكن القول إن هذا المزيج الفريد من رأس المال والابتكار التكنولوجي والقدرة النووية يمثل إمكانات هائلة في سياق الردع القائم على التعاون.
تصورات التهديدات المتغيرة والديناميّات الإقليمية
إن مرحلة التعاون هذه ليست بمنأى عن التحولات الأمنية التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول. حيث أدى تراجع القدرات العسكرية الإيرانية التي تديرها عبر وكلائها في المنطقة والهجمات الإسرائيلية التي استهدفت الدوحة بشكل مباشر في سبتمبر/ أيلول، إلى تغيير جذري في نظرة دول الخليج إلى التهديدات. وباتت إسرائيل اليوم تشكل تهديدا أمنيا يحمل أولوية أكبر من إيران، بالنسبة للعديد من العواصم العربية.
أدى استهداف الدوحة إلى التشكيك في الضمانات الأمنية الأمريكية نحو المنطقة، وساهم في تعجيل المساعي القطرية فيما يتعلق بتنويع تحالفاتها. وفي هذا الصدد، وعلى عكس الإمارات وإسرائيل، تتشارك تركيا والسعودية عقيدة تعطي الأولوية لـ”سلطة الدولة المركزية” في مناطق النزاع. جدير بالذكر أن استهداف السعودية لشحنة قادمة من الإمارات في ميناء المكلا وإعلانها أن أبوظبي جهة مزعزعة للاستقرار، يشير إلى هشاشة التحالفات القائمة وإلى أولوية أنقرة الاستراتيجية مع الرياض.
أجندة أعمال متعددة الأبعاد من الأمن إلى الاقتصاد
إن تبني تركيا والسعودية موقفا موحدا خلال الزيارة بشأن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يعتبر أحد أهم المواضيع على جدول الأعمال. جدير بالذكر أن أنقرة والرياض متفقتان على أن أي تدخل عسكري ضد إيران سيجر المنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار لا رجعة فيها. وإضافة إلى ذلك، أكدت الزيارة الأخيرة لقائد القوات الجوية السعودية إلى شركة أسيلسان اهتمام الإدارة السعودية بطائرة قآن المقاتلة التركية من الجيل الخامس، وأنظمة الدفاع الجوي التركية. ومن المتوقع أن يتحوّل الاهتمام السعودي بالصناعات الدفاعية التركية إلى شراكة استراتيجية من خلال الاتصالات الرسمية. وإضافة إلى ذلك يشمل البعد الاقتصادي للاجتماع زيادة حجم التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات وتعميق التعاون بين القطاع الخاص في البلدين. ومن المنتظر أن تضم المملكة العربية السعودية الشركات التركية الشريكة في استثماراتها الحالية في مجال الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي؛ وبالمثل، من المنتظر أن تزيد الشركات التركية لا سيما العاملة في قطاعي السياحة والإنشاءات، من حصصها الاستثمارية في المملكة العربية السعودية.
من جهة أخرى، يشكل الصراع في السودان وعمليات السلام في ليبيا وإعادة الإعمار في سوريا والخطوات الدبلوماسية المزمع اتخاذها لمواجهة خطوة إسرائيل بشأن أرض الصومال، ركائز أساسية أخرى للمناقشات بين أنقرة والرياض. ومن المتوقع أن يسهم هذا التعاون الأمني في تعزيز شراكات جديدة في مجالات الطاقة والتجارة والدفاع المدني والاقتصاد.
تؤكد هذه الزيارة أن المرحلة التي اكتسبت زخما مع الاتفاقية الموقعة بين الشركة السعودية للصناعات العسكرية سامي وشركة بايكار التركية عام 2023، قد ارتقت إلى مستوى “السياسة العليا” والبعد الأمني. ولو قرأنا هذه التحركات التركية في سياق محور مصر وباكستان، سيتضح أن جهود أنقرة لبناء نظام إقليمي جديد قائم على الثقة المتبادلة تؤتي ثمارها. ورغم أن هذا التعاون المؤسسي سيواجه تحديات في ظل تغيّر المعادلات الجيوسياسية، إلّا أن من المتوقع أن يكون لهذه المرحلة مهمتان رئيسيتان: الأولى هي الوصول إلى كيان مؤسسي مستدام للتعاون الاقتصادي والعسكري القائم. أما الثاني فهو توجيه رسالة تضامن قوية في ضوء تحقيق الاستقرار الإقليمي والتحالف الرادع القائم على التعاون، لمواجهة سياسات إسرائيل التوسعية والمزعزعة للاستقرار في المنطقة.