إجراء مكالمة

اكتب الكلمة التي تريد البحث عنها

مكاتب التنسيق

عدسة أورسام | التداعيات الإقليمية للحرب بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران

شنّت الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون والتنسيق مع إسرائيل هجمات على إيران في إطار ضربة استباقية في صباح 28 فبراير/ شباط، وردّت إيران على هذه الهجمات في نطاق الدفاع عن النفس، لتتحوّل هذه المرحلة إلى حرب تقليدية بين الطرفين، الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وفي الوقت الذي أطلقت فيه إسرائيل اسم “عملية زئير الأسد” على هذه الحرب، أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم “الغضب الملحمي”. وفي مقابل هذه المصطلحات العدائية، فضّلت إيران اختيار اسما رمزيا أكثر دلالة أيديولوجيا وهو “فتح خيبر”. أثارت الموجة الأولى من الهجمات من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، والردّ الأوّلي لإيران، تساؤلا حول ما إذا كانت الحرب ستبقى محصورة في المواجهات العسكرية بين الطرفين أم ستتوسع إلى نطاق أكبر. وفي هذا السياق، أثار تعمّق نطاق الصراع وتفاقمه احتمالية امتداد الحرب إلى ما وراء الحدود الإقليمية للطرفين. ومن هذا المنظور، تعد سرعة التصعيد للهجمات بين الولايات المتحدة/ إسرائيل وإيران، واستهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج، ومواقف القوات الوكيلة، وتحركات الحوثيين المحتملة نحو باب المندب، عوامل بالغة الأهمية في هذا النطاق.

  1. مواقف الأطراف واستراتيجياتها العسكرية

كانت الولايات المتحدة وإسرائيل اللتان شنّتا هجوما منسقا ومشتركا في 28 فبراير/ شباط، هما الطرف البادئ لهذه الحرب. ورغم أن الرئيس الأمريكي فضّل استخدام كلمة “عملية” بدلا من “حرب”، – نظرا للقيود القانونية الداخلية – إلّا أن هذا لا يغيّر من حقيقة الوضع الراهن. وفي إعلانه الحرب، حاول دونالد ترامب تبرير الهجمات على إيران من خلال الاستشهاد بالهجوم على السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، والهجوم على ثكنات مشاة البحرية في بيروت عام 1983، والهجوم على المدمرة الأمريكية يو أس أس كول عام 2000. أما فيما يتعلق بنطاق العملية وأهدافها، فقال: “سندمر صناعة الصواريخ الإيرانية وقواتها البحرية، ولن نسمح بعد الآن لوكلائها الإرهابيين في المنطقة بزعزعة استقرار العالم. إيران لن تمتلك سلاحا نوويا أبدا. ولهذا السبب، قمنا في يونيو/ حزيران الماضي، بضرب منشآتها النووية فردو ونطنز والمنشأة النووية في أصفهان بعملية “مطرقة منتصف الليل”. لقد حان الوقت الآن للتحرك ضد هذا النظام الذي يرفض التخلي عن طموحاته النووية”. وعلى الرغم من هذه الأهداف العامة والتصريحات المبهمة، إلّا أن هناك نقطة لافتة للانتباه وهي عدم ذكره بشكل صريح أن تغيير النظام في إيران من بين أهداف هذه العملية.

مع بدء الهجمات صباح 28 فبراير/ شباط، أعلنت إسرائيل بصراحة رغبتها في تغيير النظام في إيران، وركّزت هجماتها على طهران لهذا الغرض. وفي الوقت الذي استهدفت فيه إسرائيل في المقام الأول القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية، عملت الولايات المتحدة على استهداف منشآت عسكرية ومستودعات صواريخ ومنشآت نووية في مدن طهران وأصفهان وقم وكرج وكرمانشاه. إن تنفيذ نحو 1400 غارة جوية في يومين فقط، مقارنة بنحو 1500 غارة خلال حرب الأيام الاثني عشر، يظهر بكل وضوح الفرق بين المرحلتين وشدة الموجة الحالية من الهجمات.

وفي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل لتغيير النظام في إيران، وتطمح الولايات المتحدة إلى تدمير قدرات إيران العسكرية، فإن الهدف الأساسي لإيران ليس كسب الحرب، بل البقاء صامدة. حيث تتمتع إيران بهدف أقل بكثير مقارنة بالولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا يمنح إيران وضعا متميزا رغم ضعفها العسكري.

إن القدرات العسكرية الإيرانية غير كافية لمواجهة الولايات المتحدة القوة العسكرية العالمية، وحليفتها الأقرب إسرائيل. وفي هذا السياق، ذهبت إيران لتنويع أساليبها الحربية. وإضافة إلى ردها المباشر على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، كان استهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز من أهم الأدوات التي تستخدمها إيران في هذه الحرب. ومع أن القوات الوكيلة لإيران لا تعمل بفعالية على الأرض حاليا، إلا أن هناك معلومات تشير إلى أن بعضها نفذ هجمات محدودة، لا سيما في العراق عقب اغتيال خامنئي. إن الحشود العسكرية الأمريكية المستمرة منذ أشهر في دول الخليج، والقوات التي زادت من انتشارها في الأردن والعراق والخليج العربي، والأراضي الإسرائيلية، أصبحت أهدافا للهجمات الإيرانية. وعلاوة على ذلك، أضاف تعطيل شحنات النفط عبر مضيق هرمز بسبب الحرب بعدا اقتصاديا وسياسيا للصراع. ويمكن القول إن هذه العوامل تتسبب في تجاوز أبعاد الحرب نطاق المواجهة العسكرية والتوسع الجغرافي والتأثير على الاقتصاد العالمي.

أعلنت إيران في اليوم الثاني من الحرب عبر بيانات رسمية، مقتل عدد من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين، بمن فيهم المرشد الأعلى للثورة خامنئي. وإلى جانب خامنئي، أعلنت إيران أيضا مقتل وزير الدفاع عزيز نصير زاده، وأمين عام مجلس الدفاع علي شمخاني، ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي، والقائد العام للحرس الثوري محمد باكبور.

أدى رحيل المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي إلى إعادة هيكلة القيادة الإيرانية. وبحسب المادة 111 من الدستور الإيراني، يتوجب تشكيل مجلس قيادة ثلاثي مؤقت، يضم رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وأحد القضاه يختاره مجلس صيانة الدستور من بين أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام، من أجل تولي مهام ولي الفقيه إلى حين انتخاب مرشد أعلى جديد. ووفق ذلك، يتألف المجلس من الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي والفقيه علي رضا أعرافي. ويمكن القول إن عضوية علي رضا أعرافي في مجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء ومجمع تشخيص مصلحة النظام، ستمنحه نفوذا كبيرا داخل المجلس المؤقت.

 

  1. التداعيات الإقليمية للحرب

 

       1.2. دول الخليج

لجأت إيران إلى أساليب مختلفة لتصعيد الحرب، وذلك لعجزها عن شنّ هجوم مضاد رادع بسبب محدودية قدراتها وإمكانياتها. وعقب غارات جوية منسقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، ردّت إيران في اليوم نفسه باستهداف قواعد أمريكية في الخليج العربي. ونتيجة لهذا الرد، أصبحت خمس دول خليجية، هي قطر والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية، أهدافا للهجمات الإيرانية. وأسفرت هذه الهجمات عن سقوط ضحايا في بعض الدول مثل الإمارات، بينما تسببت في أضرار مادية جسيمة في دول أخرى. تواجه الدول المستهدفة على المدى القريب معضلة، فمن جهة دعم التدخل الأمريكي ضد إيران وما قد يترتب عليه من فراغ محتمل في النفوذ الإقليمي جراء إضعاف طهران، ومن جهة أخرى مواجهة هجمات مباشرة على أمنها القومي من جانب إيران. وسيتوقف مسار هذه الخيارات على قدرة الدول على تحمّل التكاليف، وتوازناتها السياسية الداخلية، والضغط الشعبي.

إن السبب الرئيسي وراء إعطاء إيران الأولوية لضرب القواعد الأمريكية في دول الخليج هو سهولة استهداف هذه القواعد نسبيا، وعدم رغبتها في استفزاز واشنطن من خلال هجوم أوسع نطاقا باستهداف نفوذ الولايات المتحدة في الخليج العربي بشكل مباشر. ويمكن القول أيضا إن إيران تسعى إلى الضغط على الولايات المتحدة عبر دول الخليج. وعلى الرغم من أن الصواريخ التي سقطت في الرياض وأبو ظبي والمنامة والدوحة لم تسفر عن خسائر بشرية جسيمة، إلا أن هشاشة هذه الدول عرّضت طموحاتها ومشاريعها طويلة الأمد لتصبح مراكز مالية، للخطر. ومن جهة أخرى، فإن اختيار إيران لهذه الأهداف قد يوسّع نطاق جبهة الضغط ضدها. في الواقع، إن كون دول الخليج هي الأهداف الأولى للهجمات على الرغم من علاقاتها الأمنية واتفاقياتها الدفاعية التي تقدّر بمئات مليارات الدولارات مع الولايات المتحدة، سيؤدي إلى إعادة تقييم جديدة في دول الخليج. ومن جهة أخرى، قد تدفع المعايير السياسية والأمنية التي ستظهر على المدى المتوسط دونالد ترامب إلى إعادة النظر في اتفاقيات دفاعية أشمل مع هذه الدول، وإلى إعادة الضغط على هذه الدول للدخول مع إسرائيل في إطار اتفاقيات أبراهام. باختصار، يمكن القول إن شدة استهداف إيران للقواعد الأمريكية في هذه الدول ستحدد مسار العلاقات الإيرانية الخليجية والعلاقات الأمريكية الخليجية.

       2.2 جيوسياسة الطاقة من مضيق هرمز إلى باب المندب

يتمتع مضيق هرمز بأهمية جيواقتصادية بالغة باعتباره الممر الرئيسي للتصدير للدول الخليجية، والمصدر الحيوي للتدفق الاقتصادي المتعلق بالاقتصاد العالمي. حيث يمر عبر مضيق هرمز 34% من تجارة النفط العالمية و20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. وتعدّ المملكة العربية السعودية أكبر مصدر للنفط عبر مضيق هرمز، بينما تعد قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي عبر المضيق. ورغم أن هذا الوضع يوفر زيادة في الإيرادات على المدى القريب لشركات عملاقة مثل أرامكو السعودية التي تشهد هوامش ربحها انخفاضا منذ 11 ربعا، إلا أن الازدحام اللوجستي قد يتحوّل إلى أزمة هيكلية لجميع المنتجين على المدى البعيد.

في الوقت الذي يتجه فيه 84% من النفط والنفط الخام المتدفق عبر مضيق هرمز إلى الدول الآسيوية، يتجه 20% من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا و80% إلى الدول الآسيوية. لذلك، فإن الإغلاق المحتمل لمضيق هرمز سيعرّض 20% من إمدادات النفط العالمية للخطر، ما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار. جدير بالذكر أن قدرة خط أنابيب شرق – غرب السعودي وخطوط أنابيب الإمارات العربية المتحدة المتجهة إلى خارج الخليج عبر الفجيرة وخط أنابيب غره – جاسك الإيراني، لا يمكنها في الوقت الراهن تلبية أكثر من 15% فقط من إجمالي الشحنات. هذه القدرة المحدودة لن تكون كافية لاستيعاب الصدمة الاقتصادية في حال إغلاق المضيق.

أما مضيق باب المندب فهو يعد حلقة وصل حيوية بين قناة السويس والمحيط الهندي. ويمر عبر هذا الممر البحري الضيق جزء كبير من تجارة الطاقة والحاويات العالمية. ويمكن القول إن الهجوم على إيران لم يستهدف قدرات طهران العسكرية فحسب، بل استهدف أيضا بنيتها الردعية الإقليمية. وهذا يزيد من احتمالية الرد غير المتكافئ عبر جهات وكيلة، حتى وإن حدّ من قدرة إيران على الرد المباشر.

يعد الحوثيون في اليمن في هذه المرحلة الفاعل الرئيسي. فبعد أن قوّضوا الأمن البحري في البحر الأحمر بهجماتهم على السفن التجارية خلال حرب غزة، وصف الحوثيون الهجوم على إيران بأنه “هجوم على محور المقاومة الإقليمي”، ما يفتح آفاقا جديدة للتصعيد. وهذا يعني أن باب المندب قد يتم استهدافه مجددا بأساليب هجينة كالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والغواصات المسيّرة وعمليات تخريب الميناء. لذلك، فإن الخطر الأكبر على المدى القريب يكمن في تعطيل حركة الملاحة التجارية وتكثيف الوجود العسكري في المنطقة جراء توسع مهام الحماية البحرية الدولية. وهذه العملية تزيد من احتمالية سوء التقدير واحتمالية نشوب صراع مباشر.

       3.2. معادلة القوى الوكيلة: حزب الله والحشد الشعبي والحوثيون

يعد حزب الله في لبنان وقوات الحشد الشعبي في العراق وحركة أنصار الله في اليمن، هم الأدوات الأخرى التي يمكن لإيران استخدامها ضد الهجوم الأمريكي/الإسرائيلي. ولا تقتصر علاقة هذه القوى بإيران على التوافق الأيديولوجي فحسب، بل تتشكل أيضا في إطار شراكة استراتيجية. لذلك، كان من المتوقع أن تتحرك هذه القوى ضد إسرائيل والولايات المتحدة في حال وقوع هجوم على إيران. لكن بالنظر إلى الساعات الست والثلاثين الأولى من الحرب، يتضح أن هذه القوى ظلّت غير فاعلة خلافا للتوقعات.

يشار إلى أن إسرائيل حذرت الحكومة اللبنانية من حزب الله بأسلوب شديد اللهجة قبل أيام من بدء الهجوم. ويجب قراءة هذا التحذير الذي وجهته إسرائيل على أنها لن تستهدف المنشآت العسكرية لحزب الله فقط، بل أيضا البنية التحتية والمنشآت الضخمة في مختلف البلاد، في حال تدخل حزب الله في حرب محتملة بين إيران وإسرائيل، وهذا يحمل دلالة بالغة في هذا السياق. وإضافة إلى ذلك، خشيت الحكومة اللبنانية من أن تشنّ إسرائيل هجمات واسعة النطاق بل وتوسّع احتلالها للمناطق الجنوبية من نهر الليطاني، في حال شنّ حزب الله هجوما من داخل لبنان ضد إسرائيل. وبالفعل، أعلن الجيش الإسرائيلي بالتزامن مع الهجوم الأمريكي الإسرائيلي صباح يوم 28 فبراير/ شباط، نشر قوات وتعزيز حدوده مع لبنان.

في الواقع، لم يقم حزب الله بالرد عسكريا على إسرائيل رغم اغتيال عناصره بطائرات مسيرة مسلحة وقصف مستودعات ذخيرته ومنشآته من قبل طائرات حربية في ظل الوضع الفعلي الذي يوصف بـ”وقف إطلاق نار أحادي الجانب” المستمر منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2024. ورغم أن إعلان حزب الله حياده بعد ساعات من بدء الحرب قد فاجأ العديد من المحللين، إلا أن هذا القرار كان متسقا مع سياسته المتمثلة في عدم شن هجمات على إسرائيل منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، بسبب وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل. وبعد بدء الحرب، لم تشهد الساعات الست والثلاثون الأولى أي اشتباك عسكري بين إسرائيل وحزب الله.

هناك تداعيات محتملة على العراق سياسيا واقتصاديا وأمنيا جراء الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. ورغم اندماج قوات الحشد الشعبي في القوات المسلحة المركزية، إلا أنها لا تزال عنصرا هشّا ضمن البنية الأمنية في العراق، وهذا عامل لافت للانتباه قد يجعل الحرب تؤثر على العراق. وقع أول حادث عسكري على الأراضي العراقية في بلدة جرف الصخر (اسمها الرسمي جرف النصر) في قضاء المسيّب بمحافظة بابل. وقد تناقل الرأي العام أنباء بأن الهجوم استهدف كتائب حزب الله، رغم عدم تأكيد ذلك رسميا. ورغم أن هجوم جرف الصخر استهدف معقل الفصائل المسلحة، إلا أنه لم يكن واسع النطاق ويمكن تفسيره على أنه ليس محاولة لتهميش قوات الحشد الشعبي، بل بمثابة تحذير لمنعها من الانخراط في الحرب.

تعكس تصريحات الحكومة العراقية الجهود المبذولة لمنع امتداد الحرب إلى العراق. وصدر أول تصريح رفيع المستوى بشأن الأحداث عن وزارة الخارجية العراقية. حيث تحدث وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين هاتفيا مع وزراء خارجية إيران وفرنسا وتركيا على التوالي. وأكد البيان الصادر عن وزارة الخارجية العراقية أن بغداد لا تنظر إلى الأزمة على أنها “ملف عسكري يجب الدخول طرفا فيه”. واعتبرت الوزارة هذه التطورات صراعا يهدد سيادة العراق واستقراره الداخلي وأمن مواطنيه، ويحمل خطر الامتداد إلى المنطقة. ويشدد تصريح وزارة الخارجية العراقية على “رفض التصعيد” و”منع تحوّل الأراضي العراقية إلى منطقة نزاع” و”إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة”. ويمكن القول إن استخدام العراق لغة ترفض التوسع العسكري ردا على خطاب “الدفاع عن النفس” خلال اتصال حسين مع نظيره الإيراني عراقجي، يُظهر بوضوح رغبة بغداد في البقاء بعيدا عن التوترات. ويهدف نهج الحكومة المركزية العراقية إلى توجيه رسالة إلى إيران والولايات المتحدة وقوات الحشد الشعبي، تحذيرا لهم من امتداد الحرب إلى العراق عبر الحشد الشعبي.

أصبحت أربيل ثاني منطقة في العراق بعد جرف الصخر تتأثر بشكل ملموس بالصراعات. وقد انتشرت الأنباء في الرأي العام حول الهجوم الإيراني على الوجود العسكري الأمريكي في قاعدة حرير الجوية. وإضافة لذلك تشغّل الولايات المتحدة منظومتها للدفاع الجوي تحسبا للهجمات الإيرانية المضادة. وفي هذا السياق، انعكست أصوات انفجار الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفتها الولايات المتحدة في سماء أربيل في الرأي العام على أنها وقوع “انفجارات في أربيل”.

قد يؤدي استمرار التوتر بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران إلى استمرار استهداف أربيل. حيث لا تنظر إيران إلى قاعدة حرير الجوية على أنها مجرد منطقة انتشار عسكري فحسب. لأن قربها نوعا ما من الحدود الإيرانية يجعلها موقعا متقدما يشكل تهديدا أمنيا مباشرا لإيران. لذلك، قد تتحول الهجمات الإيرانية على قاعدة حرير إلى أداة للدعاية السياسية، إضافة لكونها عملا عسكريا.

وفي هذا السياق، يمكن تفسير استهداف جرف الصخر على أنه ليس تدخلا عسكريا تكتيكيا فحسب، بل أيضا رسالة ردع للجماعات المسلحة المدعومة من إيران في العراق. ويشار إلى أن هذه المنطقة تعتبر منطقة استراتيجية من حيث شبكات الميليشيات وخطوط الإمداد وقدرات التعبئة المسلحة. وفي المقابل، فإن استهداف قاعدة حرير الجوية في أربيل التي تضم عناصر عسكرية أمريكية، تظهر أن هذه الرسالة لم تمر دون رد. وبذلك، حتى وإن لم يتحوّل الأمر إلى حرب مباشرة، فقد أصبحت الساحة العراقية إحدى ساحات الهجوم والرد المتبادل واستعراض القوة الرمزي. إن قرب قاعدة حرير من الحدود الإيرانية على بعد 60 كيلومترا فقط في خط مستقيم، يزيد من الأهمية الرمزية والاستراتيجية لهذا الهجوم. لقد شهد الأول من مارس/آذار 2026 تنفيذ هجمات ضد قافلة تابعة لجماعة عصائب أهل الحق المسلحة في ناحية الوجيهية بمنطقة المقدادية في محافظة ديالى الواقعة على الحدود العراقية الإيرانية، وضد حركة بابليون في منطقة تلكيف بمدينة نينوى.

وفي هذا السياق، لا ينبع ضعف القطاع الأمني من دخول جهات عراقية فاعلة في الحرب بقدر ما ينبع من تحوّل الأراضي العراقية إلى ساحة معركة تتبادل فيها مختلف الجهات رسائلها وتُرسّخ فيها مبدأ الردع، وتنفذ فيها أعمال انتقامية غير مباشرة. من جهة أخرى، إذا امتد الصراع في المنطقة، فإن توجّه الجماعات المسلحة غير الحكومية في العراق إلى الانخراط في هذا الصراع قد يحوّل العراق إلى منطقة صراع أيضا. وفي هذا السياق، سيتحدد مدى ضعف القطاع الأمني بمدى نجاح سياسات الجهات السياسية الفاعلة في السيطرة على الجماعات المسلحة غير الحكومية أو قمعها.

إنّ تصعيد الحوثيين لخطابهم عقب الهجمات مباشرة وإعلانهم أن الأهداف الإسرائيلية والأمريكية أصبحت أهدافا مشروعة، يعزز احتمالية موجة جديدة من الهجمات في البحر الأحمر. ورغم تركيز إيران ردودها المباشرة على طول ساحل الخليج، يبرز الرد بالوكالة عبر الأمن البحري في نطاق استراتيجية أقل تكلفة ولكنه أكثر فعالية. وفي هذا السياق، من المنتظر أن تتخذ دول مثل السعودية والإمارات ومصر موقفا حذرا. لأن استمرار حالة عدم الاستقرار في البحر الأحمر سيكبّد الاقتصاد خسائر فادحة في مختلف المجالات، بدءا من عائدات قناة السويس وصولا إلى أمن الطاقة.

وفي النتيجة، لا تعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران مجرد تصعيد عسكري ثنائي، بل هي تشعل فتيل سلسلة من التوترات الأمنية الإقليمية تمتد آثارها سريعا إلى البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وسيكون ردّ الحوثيين هو العامل المحدد فيما إذا كانت هذه الممرات المائية ستظل شرايين تجارية حيوية أم لا.

من النقاط اللافتة للانتباه فيما يتعلق بموقف القوات الوكيلة هو عدم انخراطها في الحرب حتى الآن بالقدر المتوقع منها. وفي هذا الإطار هناك سؤال يحمل أهمية بالغة وهو حول ما إذا كان هذا التقاعس سيبقى مستمرا أم أنه سيتغير لصالح إيران مع بدء تراجع النظام الإيراني. أمّا النقطة الأهم من ذلك، هي ما إذا كانت هذه القوات تتبنى استراتيجية انعزال ذاتي عن إيران من خلال تبني استراتيجية البقاء. ويمكن القول إنه كلما طالت الحرب، كلما سهل إيجاد إجابات أوضح لهذه الأسئلة.

  1. التداعيات العالمية للحرب

الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران التي بدأت في 28 فبراير/ شباط والمستمرة منذ يومين، لها القدرة على التأثير في مسار الصراع العالمي على النفوذ. لم تظهر مواقف الفاعلين الدوليين حتى الآن، انحرافا كبيرا عن مواقفهم قبل الحرب: ففي الوقت الذي تركز فيه الولايات المتحدة وبعض حلفائها الغربيين على خطاب “الردع” و”التهديد النووي”، تدعو الصين وروسيا إلى ضبط النفس وتستخدمان لغة تشكك في التدخل من منظور القانون الدولي. أما معظم الدول الأوروبية فتسعى إلى تحقيق توازن دبلوماسي حذر. لكن مدة الصراع ونطاقه وطبيعة الرد الإيراني، قد تُحدث اختلافات جوهرية في المواقف الأوروبية. ويمكن تناول هذا التحوّل المحتمل من خلال خمسة محاور رئيسية.

الأول هو أزمة المشروعية للنظام العالمي التي بدأت تتضح أكثر فأكثر مع هذه الحرب. لقد أدى تآكل القواعد الليبرالية والمؤسسات إلى ظهور نظام قائم حول القوة وقابل للتدخل الانتقائي. ويعيد الهجوم على إيران إلى الواجهة النقاشات حول عدم فعالية مجلس الأمن الدولي واستغلال القانون الدولي لمصالح معينة. وإذا لم يستند هذا التدخل والهجوم إلى القانون الدولي، فلن يقتصر الأمر على قضية إيران وحدها، بل قد يشعل فتيل انقسامات إقليمية وقد يعطي الشرعية لاستخدامات مماثلة للقوة في مناطق جغرافية مختلفة. وهذا يعني مزيدا من تآكل النظام المعياري العالمي.

الثاني هو الصراع على الهيمنة على الطاقة وطرق التجارة في سياق التنافس الأمريكي الصيني، وهو يعمّق

البُعد الجيواقتصادي للنزاع. ويعد الخليج العربي ومضيق هرمز وشرق المتوسط مناطق مركزية لأمن الطاقة العالمي. ولو أخذنا بعين الاعتبار اتفاقيات الطاقة طويلة الأمد التي أبرمتها الصين مع إيران واستثمارات الصين الاستراتيجية في إطار مبادرة الحزام والطريق، فيمكن القول إن هذا الصراع قد يصبح قضية هيكلية بالنسبة لبكين. كما يمكن قراءة تعزيز الولايات المتحدة لوجودها العسكري في المنطقة على أنه محاولة للحد من النفوذ الاقتصادي للصين. ويحمل هذا الوضع في طيّاته خطر تحوّل التنافس العالمي إلى ساحة بدون قواعد وقوانين وأكثر عرضة للتكتلات.

أما المحور الثالث، فهو خضوع فاعلية المؤسسات الدولية لاختبار حقيقي. وهناك تساؤلات وشكوك حول قدرة الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية وآليات الأمن الإقليمي على إدارة الأزمات. وإذا تعذّر تفعيل القنوات الدبلوماسية واستخدام الآليات متعددة الأطراف، فسيزيد ذلك من إضعاف دور المؤسسات الدولية في حل الأزمات. وعلى وجه الخصوص، قد يؤدي تعليق عمليات التفاوض في سياق الملف النووي إلى زيادة هشاشة النظام النووي العالمي.

المحور الرابع هو البعد الاقتصادي والسياسي للحرب الذي يؤثر بشكل مباشر على الأسواق العالمية. وقد تؤدي التقلبات الحادة التي يمكن أن تتعرض لها أسعار الطاقة إلى زيادة ضغوط التضخم وأن تنجم عن ذلك تكاليف باهظة، لا سيما على الاقتصادات الهشة. وفي الوقت الذي تعاني فيه سلاسل التوريد العالمية أصلا من هشاشة بعد جائحة كورونا والحرب الأوكرانية، قد يؤدي سيناريو توسّع يتمحور حول إيران إلى موجة صدمة اقتصادية جديدة. ومن شأن ذلك أن يعمق حالة الغموض الاقتصادي العالمي ويزيد من مخاطر حالة عدم الاستقرار المالي للدول النامية.

خامسا وأخيرا، يعد تآكل الضمانات الأمنية وصعود خطاب الهيمنة المتشدد أمرا لافتا للانتباه. حيث يظهر التدخل العسكري الأمريكي المباشر إعادة تعريف للضمانات الأمنية الممنوحة للحلفاء الإقليميين. ولكن هذا أيضا يؤدي إلى إضعاف الخط الفاصل بين الردع والتصعيد. وقد يؤدي الرد الإيراني – سواء عبر جهات وكيلة أو بشكل مباشر – إلى توسيع النطاق الجغرافي للصراع. وهذا قد يعزز خطابا أمنيا يمكن وصفه بأنه “هيمنة وحشية” قائم على استخدام القوة الغاشمة بدلا من الأعراف.

النتيجة

لا تزال الحرب التي بدأت بهجمات أمريكية إسرائيلية تميل إلى التصعيد والتوسع إقليميا. ورغم اختلاف الأهداف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إلّا أن تصعيد الهجمات والرد الإيراني سيؤديان إلى استمرار هذا التوجه لبعض الوقت.

من الصعب في هذه المرحلة اعتبار تصريحات ترامب المتناقضة بشأن مدة الحرب وتلميحاته التي يشير من خلالها إلى إمكانية فتح باب التفاوض، مؤشرات مهمة حول مسارها. وبدلا من ذلك، يعد التركيز على الحسابات الاستراتيجية للأطراف نهجا أكثر دقة. ومن هذا المنظور، تتمثل الديناميّات الأساسية التي ستحدد مسار الحرب فيما يلي: الاختلاف المحتمل بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن الأهداف الاستراتيجية رغم شراكتهما العملياتية، وقدرة إيران على المقاومة ومدة هذه القدرة.

من جهة أخرى، فإن كيفية إدراك الدول المضيفة للقواعد الأمريكية التي استهدفتها إيران لهذه الهجمات، والخيارات التي ستتخذها القوات الوكيلة بين الانضمام إلى الحرب إلى جانب إيران أو العمل بشكل مستقل، سيؤثر على اتساع نطاق الحرب وتعمقها على المستوى الإقليمي. وإضافة إلى ذلك، قد يتحوّل استمرار تدفقات الطاقة/التجارة عبر باب المندب ومضيق هرمز إلى آلية ضغط بين الأطراف.

ورغم أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران قد لا يغيّر موازين القوى العالمية الحالية بشكل جوهري، إلا أنه أظهر مواطن الضعف في النظام الدولي الهش أصلا. وقد يدفع مسار هذا الصراع الأطراف العالمية إلى إعادة تقييم مواقفها. لذلك، يجب متابعة الفترة المقبلة بدقة، ليس فقط من حيث تبعاتها العسكرية، بل أيضا من حيث تداعياتها المعيارية والاقتصادية والجيوسياسية.

العناوين الرئيسية

شاهد جميع مشاركاتك
الطباعة

المنشورات المماثلة