بعد فترة هدوء نسبي، دخل العراق مع الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في أوائل مارس/ آذار، واحدة من أكثر الفترات توترا في السنوات الأخيرة على الصعيد السياسي والاقتصادي والمجتمعي. وجاءت هذه التطورات في مناخ إقليمي يشهد تصعيدا غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. حيث أدى الهجوم العسكري الذي استهدف القيادة الإيرانية واغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إلى تصعيد حاد في المنطقة. وفي خضم هذه المرحلة، وجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب معادلة الصراع الإقليمي. أما السبب الرئيسي في ذلك فيعود إلى موقعه الجيوسياسي وبالطبع لوجود قوات مسلحة مرتبطة بمحاور إقليمية مترابطة تعتمد على إيران.
شهد العراق سلسلة متسارعة من التطورات السياسية والأمنية التي أبرزت هشاشة الوضع الداخلي للبلاد وتزايد خطر تحوّل أراضيه إلى مسرح صراع إقليمي غير مباشر. جدير بالذكر أن اضطرابات اندلعت في محيط المنطقة الخضراء بالعاصمة بغداد في الأول من مارس/آذار، بالتزامن مع ورود أنباء عن مقتل عدد من عناصر قوات الحشد الشعبي في غارة جوية نفذت داخل الأراضي العراقية. وقد زاد هذا من حدة التوتر بين القوات الأمريكية المتمركزة في البلاد والجماعات المسلحة. وفي الثالث من مارس/ آذار، اشتعل الجدل مجددا حول معنى مصطلح “الكتلة البرلمانية الأكبر”. ويدافع رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، بأن هذا المصطلح يشير إلى الكتلة الفائزة في الانتخابات، وليس إلى الائتلافات التي تشكلت بعد الانتخابات. وأعاد هذا التفسير إلى الواجهة نقاشا حساسا شكّل التوازن السياسي في العراق منذ عام 2010، وأبرز الغموض الدستوري مجددا. أما في الرابع من مارس/ آذار، فقد شهد العراق انقطاعا شبه كامل للتيار الكهربائي أثّر على العديد من المحافظات. وكشف هذا التطور بشكل واضح مدى هشاشة نظام الطاقة الذي يعتمد اعتمادا كبيرا على إمدادات الغاز الطبيعي من إيران. وفي اليوم نفسه، أعلنت السلطات الأمنية إسقاط طائرتين مسيرتين قرب مطار بغداد الدولي، كما وردت أنباء عن وقوع انفجار في أربيل. ومع مجيء الخامس من مارس/ آذار، تصاعدت المخاوف الأمنية أكثر وأكثر. وعلى إثر ورود أنباء عن نشاط جوي غير معتاد وإنزال عسكري على الأراضي العراقية، شنّت قوات مكافحة الإرهاب عمليات واسعة النطاق في صحراء النجف وصحراء كربلاء. وعلى إثر هذه التطورات، شدّد القادة العراقيون على ضرورة عدم جرّ البلاد إلى صراع إقليمي أوسع، وأكدوا أهمية انتهاج سياسة متوازنة.
أكدت هذه التطورات أن العراق لا يزال أحد أهم ساحات التنافس الإقليمي. حيث اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في بغداد والبصرة والنجف وكربلاء عقب الهجوم على القيادة الإيرانية. وشجب المتظاهرون الولايات المتحدة وإسرائيل، وطالبوا الحكومة العراقية باتخاذ موقف أكثر حزما تجاه الوجود العسكري الأمريكي في البلاد. وتركزت أكبر الاحتجاجات قرب المنطقة الخضراء في بغداد. وحاولت مجموعات كبيرة من المشاركين في الاحتجاجات التوجه نحو السفارة الأمريكية، إلا أن قوات الأمن نشر تعزيزات حول السفارة ومنعت تقدمهم واستخدمت الغاز المسيل للدموع وأغلقت الطرق المؤدية إليها. أما في البصرة، فقد تجمع المتظاهرون أمام القنصلية الأمريكية، بينما تم تنظيم وقفات تضامنية أمام بعض الشركات الأجنبية وعدد من الجامعات في النجف وكربلاء. ومن منظور سياسي، يمكن القول إن هذه الاحتجاجات عكست أيضا الانقسامات الداخلية في العراق. وفي الوقت الذي دافعت فيه جهات مقربة من إيران عن هذه المظاهرات باعتبارها رد فعل على الانتهاكات المتكررة للسيادة العراقية، دعت بعض الأوساط إلى ضبط النفس لتجنب الانجرار لمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. من جانبها حاولت الحكومة احتواء الغضب الشعبي دون السماح بشن هجمات على البعثات الدبلوماسية أو القواعد العسكرية الأجنبية. ويمكن القول إن هذه التطورات أظهرت مجددا مدى قدرة الصراع الإقليمي على تحريك الشوارع العراقية بشكل سريع ومدى هشاشة البلاد كساحة صراع أوسع على القوى.
الأسباب الكامنة وراء الاحتجاجات
لم يكن اندلاع الاحتجاجات في العراق في 1 مارس/ آذار، اليوم الذي تم فيه إعلان وفاة خامنئي، محض صدفة، بل على العكس كان انعكاسا لسلسلة من الديناميّات السياسية. وتدعو ولاية الفقيه التي تعتبر نظرية سياسية ضمن المذهب الشيعي الإثني عشري، إلى أن تُحكم الدولة من قِبل فقيه خلال فترة غياب الإمام المهدي. ويشكّل هذا النهج الذي طوره روح الله الخميني كعقيدة سياسية، أساس النظام السياسي الإيراني. وتتركز السلطة العليا في هذا النظام في يد المرشد الأعلى الذي يشغل منصب الزعامة الدينية. ويشار إلى أن الراحل علي خامنئي قد شغل هذا المنصب لسنوات عديدة. وتحظى هذه العقيدة بتأييد علني ليس داخل إيران فحسب، بل أيضا بين بعض الحركات السياسية والدينية في العراق ولبنان، ولها حضور قوي بشكل خاص داخل حزب الله اللبناني. وإضافة إلى ذلك، تتبنى بعض الجماعات في اليمن والبحرين هذا النهج أيضا. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 80 – 100 مليون شخص حول العالم يؤيدون بقوة عقيدة ولاية الفقيه.
يعكس الظهور السريع لهذه الاحتجاجات القدرة التنظيمية للفصائل الشيعية المسلحة والحركات الموالية لإيران في العراق. جدير بالذكر أن هذه الجماعات تمتلك شبكات تعبئة راسخة وقاعدة شعبية واسعة وقدرة كبيرة على حشد أنصارها بسرعة إلى الشوارع. وهذا ما يفسر بدء المظاهرات بعد ساعات قليلة من إعلان وفاة خامنئي.
لم تكن الاحتجاجات حركات شعبية واسعة النطاق، بل مظاهرات قائمة على مطالب سياسية وأيديولوجية محددة. وضمّت هذه الاحتجاجات المتناسقة مع محور المقاومة مؤيدين لقوات الحشد الشعبي وجماعات شيعية موالية لإيران وشبابا ملتزمين أيديولوجيا، وحمل بعض المشاركين صورا لخامنئي وأعلام إيران. لم تكن الاحتجاجات تحمل طابعا ثوريا، بل كانت تحركات رمزية تهدف إلى التعبير عن الغضب والضغط من أجل إخراج القوات الأمريكية من البلاد. وحاول بعض المتظاهرين الوصول إلى السفارة الأمريكية، لكن قوات الأمن تدخلت واستخدمت الغاز المسيّل للدموع، وهذا يشير إلى أن الاحتجاج كان موجها مباشرة ضد الولايات المتحدة. كان معظم المتظاهرين من الشيعة، إذ قدم المشاركون من مناطق ذات أغلبية شيعية مثل بغداد والنجف وكربلاء والبصرة وجنوب العراق، ولم تكن هناك مشاركة سنية أو كردية. ويكشف هذا الوضع أن الحدث مرتبط بإطار جيوسياسي شيعي متصل بإيران. ولكن رغم ذلك، يبدو أن الدوافع الكامنة وراء الاحتجاجات إقليمية وسياسية وعسكرية بطبيعتها، وليست طائفية بحتة.
ما هو المنتظر من الاحتجاجات؟
رغم عدم معرفة البعد الحقيقي للاحتجاجات في ظل هذه الظروف، إلّا أن المقارنات مع الأمثلة السابقة تشير إلى أن المشاركة محدودة حتى الآن مقارنة بفترات الصراع الكبرى السابقة. ففي الوقت الذي بلغ فيه عدد المشاركين في المظاهرات التي أعقبت اغتيال قاسم سليماني في عام 2020 عشرات الآلاف، شهدت احتجاجات السفارة عام 2019 عشرات الآلاف من المشاركين أيضا. في المقابل، يبدو أن الاحتجاجات الحالية لا تضم سوى مئات أو بضعة آلاف على الأكثر، في أعقاب اغتيال خامنئي لا سيما في سياق الأزمة الراهنة في بغداد. وعلى الرغم من أن الأزمة الحالية أكثر خطورة وتعقيدا من أكثر من ناحية كونها تتعلق مباشرة باغتيال المرشد الأعلى، لكن هذه الأعداد المنخفضة للمشاركة تظهر بأن الجهات الفاعلة المرتبطة بإيران مترددة أو أنها تتعمد النأي بنفسها خلال هذه الفترة.
يمكن تفسير ضعف الإقبال على المشاركة في بغداد بعدة عوامل. فالشعب العراق يعاني من حالة اقتصادية سيئة ما يقلل من قدرته واستعداده لدعم حشود جماهيرية واسعة النطاق. وإضافة إلى ذلك، فإن المجتمع العراقي ليس مستعدا للتعبئة الطائفية كما كان عليه الحال في عام 2020، حيث كانت الظروف الإقليمية والمحلية مختلفة. كما أنه يبدو أن الفصائل نفسها تتجنب التصعيد الشامل في الوقت الراهن، ما يحدّ من نطاق وشدة الاحتجاجات الشعبية.
تشير الاحتجاجات في العراق عقب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني خامنئي إلى ثلاثة احتمالات رئيسية. الأول هو احتمالية قيام الفصائل المتطرفة باستهداف القواعد الأمريكية، وقد يشمل ذلك هجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة، إضافة إلى عمليات محتملة ضد شركات النفط والمؤسسات المرتبطة بمصالح أجنبية في العراق. الثاني هو تزايد الضغط السياسي على القوات الأمريكية من خلال إعادة طرح تشريعات تطالب بانسحاب القوات الأجنبية. أمّا الثالث فهو احتمالية تحوّل العراق تدريجيا إلى ساحة للصراعات بالوكالة، ففي حال اتساع رقعة الحرب الإقليمية، قد تتحول الأراضي العراقية إلى منصة لشن هجمات صاروخية ومنطقة عمليات للفصائل المسلحة. وإضافة إلى ذلك، لم تقتصر الاحتجاجات التي أعقبت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران واغتيال خامنئي، على العراق فحسب. بل ظهرت مظاهرات على المستوى الدولي أيضا في الفترة التي تلت 28 فبراير/ شباط، لكن طبيعة هذه التحركات تباينت من دولة إلى أخرى، ففي الوقت الذي أدانت فيه بعضها الحرب، أيدت أخرى الهجوم بل واحتفلت بإضعاف النظام الإيراني.