الموارد المائية أصبحت في القرن الحادي والعشرين عنصراً حيوياً لم يعد يقتصر على كونه مسألة بيئية فحسب، بل بات يتموضع في صميم مجالات الأمن والسياسة والدبلوماسية. وفي جغرافيا الشرق الأوسط على وجه الخصوص، تُعد المياه إحدى المعايير المحددة في العلاقات بين الدول. وفي العلاقات بين العراق وتركيا، شكّلت مسألة تدفق وتقاسم مياه نهري الفرات ودجلة أجندة استراتيجية منذ سنوات طويلة. وتثير التصريحات الصادرة عن وزير الموارد المائية العراقي عون ذياب، وزيارة رئيس مجلس النواب العراقي محمود المشهداني إلى أنقرة، وسياسة تركيا لإطلاق المياه، وتقييمات المنظمات الدولية، واتصالات رئيس الجبهة التركمانية العراقية محمد سمعان آغا، اهتماماً واسعاً في إطار المستجدات الحالية. وفي الوقت نفسه، فإن الدور الذي يلعبه التركمان في هذه العملية وإمكانية أن يشكلوا جسراً للثقة في العلاقات بين أنقرة وبغداد، يضع العامل التركماني في مقدمة المشهد السياسي العراقي.
سياسة تركيا المائية في ظل الأعراف الدولية
أعلنت تركيا، في إطار سياستها القائمة على التوزيع العادل والعقلاني والفعّال للمياه العابرة للحدود بين الدول المتشاطئة، أنها لم تقدم على أي تقليص في كمية المياه التي تتركها للعراق. وأكدت أنقرة أنها وفّرت تدفقاً يزيد عن الكمية التي التزمت بها. ووفقاً للبيانات الرسمية، فقد أُطلق 654 متراً مكعباً في الثانية في يوليو/تموز 2025، و571 متراً مكعباً في الثانية في أغسطس/آب 2025. وتُظهر هذه البيانات أن تركيا قد قامت بتقاسم يفوق التزاماتها وفقاً لقدراتها التقنية. وهذا يوضح بشكل جلي أن الادعاءات التي تثار من حين لآخر حول “استخدام تركيا للمياه كأداة ضغط” بعيدة عن الواقع. فالأرقام التي أعلنتها أنقرة تُبين أن تركيا تسعى من خلال الوفاء الكامل بتعهداتها إلى تعزيز صورتها الدولية وترسيخ سياستها في التعاون الإقليمي.
ولم تعد قضية المياه مسألة ثنائية محصورة بين العراق وتركيا، بل اكتسبت أهمية متزايدة على المستوى العالمي. فقد شددت الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) سيليست ساولو على أن موارد المياه العالمية تخضع لضغوط متزايدة، وأن المخاطر المتعلقة بالمياه أصبحت ذات أثر أكبر على الأرواح وسبل العيش. ووفقاً لبيانات وكالة الأمم المتحدة للمياه (UN Water)، فإن ما يقارب 3,6 مليار إنسان يواجهون نقصاً في الحصول على المياه لمدّة شهر واحد على الأقل سنوياً، ومن المتوقع أن يتجاوز هذا العدد 5 مليارات بحلول عام 2050. وتُظهر هذه المعطيات أن أزمة المياه في العراق هي في الواقع جزء من اتجاه عالمي. ومن ثمّ، يتضح أن البحث عن حلول لمشكلة المياه في العراق لا يمكن أن يظل محصوراً في العلاقات الثنائية فحسب، بل يفرض توسيع مجالات التعاون على المستويين الإقليمي والدولي.
قضية المياه بين العراق وتركيا: مسارات تعاونية
أعلن وزير الموارد المائية العراقي عون ذياب أن تركيا قد تعهدت بزيادة كمية المياه المرسلة إلى العراق. ويجب النظر إلى هذا التطور كنتيجة للمساعي الدبلوماسية التي أُطلقت بتعليمات من رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني. ووفقاً لذياب، فإن “الجانب التركي قد أدرك جدية أزمة المياه في العراق وتعهد بزيادة كمية المياه التي تُطلق من السدود”. وأكد ذياب أن هذا اللقاء كان نتاجاً لبحث عن حل لمواجهة الجفاف الشديد في المنطقة، مشدداً على ضرورة عدم تفاقم أزمة المياه في العراق. وتُظهر هذه التصريحات أن الحكومة العراقية ترى قضية المياه ليس فقط كمسألة بيئية، بل كمسألة أمن قومي واستقرار اجتماعي أيضاً. فالنقص في المياه داخل العراق يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي، ونزوح داخلي، واضطرابات اجتماعية ذات أبعاد متعددة.
ومن الخطوات المهمة في هذه العملية هو إعلان القرار في الأول من يوليو/تموز 2025 خلال زيارة رئيس البرلمان العراقي محمود المشهداني إلى أنقرة، بأن تركيا ستطلق 420 متراً مكعباً في الثانية من مياه نهر دجلة. ويمكن اعتبار هذا القرار انعكاساً ملموساً للدبلوماسية المائية بين البلدين. وقد أحدثت هذه الخطوة من جانب تركيا صدى إيجابياً في الرأي العام العراقي، كما أسهمت في تطوير العلاقات الثنائية. وفي هذا السياق، تُظهر اتصالات المشهداني أن البرلمان في العراق يلعب دوراً فاعلاً أيضاً في هذه العملية. وإن معالجة مسألة المياه ليس فقط على مستوى السلطة التنفيذية وإنما كذلك على مستوى السلطة التشريعية، يدل على أن العراق يتبنى القضية كأولوية وطنية. كما أن دعوة الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر إلى تطوير التعاون مع تركيا وتعزيز إدارة المياه في العراق وزيادة قدرات التخزين المائي، تعكس في جوهرها تقارباً مع الموقف الرسمي للعراق.
التركمان جسراً لتعزيز الثقة بين أنقرة وبغداد
في 18 أيلول/سبتمبر 2025، عقد رئيس الجبهة التركمانية العراقية (ITC) السيد آغا لقاءً مع وزير خارجية الجمهورية التركية هاكان فيدان. وبعد الاجتماع، أُعلن أن تركيا ستزيد من إطلاق المياه باتجاه العراق وأن هذا سيبدأ اعتباراً من اليوم التالي. ومن المتوقع أن يسهم هذا القرار في التخفيف من أزمة المياه التي يشهدها جنوب العراق على وجه الخصوص.
ومن الجوانب المهمة في هذا اللقاء الدور الدبلوماسي الذي لعبه التركمان في هذه العملية. فقد اجتمع آغا قبل اللقاء مع مستشاري رئيس وزراء العراق السوداني، وتسلم منهم الرسالة الرسمية التي أعدها رئيس الوزراء لتسليمها إلى الجانب التركي. وقدّم آغا هذه الرسالة إلى الوزير فيدان، مُظهراً عملياً الدور الذي يؤديه التركمان كجسر ثقة على خط أنقرة–بغداد.
وقد أكد فيدان خلال اللقاء هذا الدور للتركمان، مشدداً على أنهم أحد المكونات الأصيلة في العراق، وعلى ضرورة استمرار دعم الحكومة العراقية للمجتمع التركماني. كما أن الرسالة التي مفادها أن العراق هو الوطن الأم للتركمان تعكس بوضوح الأهمية التي توليها تركيا لوحدة العراق الداخلية.
لقد برز التركمان في العراق، ضمن التنوع العرقي والمذهبي، كعامل توازن في الكثير من الأحيان. وفي الفترات التي شهدت توتراً بين أنقرة وبغداد، لعب التركمان دور الوسيط والمسهّل، مما عزز من قيمتهم الاستراتيجية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الاتصالات الدبلوماسية النشطة للجبهة التركمانية العراقية باعتبارها جهداً مزدوجاً: من جهة لحماية حقوق المجتمع التركماني، ومن جهة أخرى للمساهمة في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
الانعكاسات الإقليمية والجيوسياسية
إن إدارة أزمة المياه تبرز في العلاقات العراقية–التركية كقضية جيوسياسية تتجاوز كونها مجرد مسألة تقنية. فاقتسام الموارد المائية له آثار واسعة على أمن الطاقة والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. وتكتسب سياسة تركيا المائية تجاه العراق، في الوقت نفسه، أهمية استراتيجية في سياق مشروع طريق التنمية والتعاون في مجال الطاقة. أما بالنسبة للعراق، فإن تراجع المياه يؤدي خاصة في الجنوب إلى تدهور الأراضي الزراعية وتسريع وتيرة النزوح الداخلي. وفي هذا الإطار، فإن الدور الذي يؤديه التركمان كجسر ثقة لا يُعد مجرد نشاط دبلوماسي لمكوّن إثني، بل يمكن اعتباره ضمانة للتعاون الاستراتيجي طويل المدى بين البلدين.
لقد اكتسبت العلاقات المائية العراقية–التركية زخماً جديداً في فترة اشتداد موجات الجفاف الإقليمي. وتُظهر تصريحات وزير الموارد المائية العراقي ذياب، واتصالات رئيس البرلمان المشهداني في أنقرة، والبيانات التي أعلنتها تركيا بشأن تدفق المياه، والمساعي الدبلوماسية لرئيس الجبهة التركمانية آغا، الطبيعة المتعددة الأبعاد لهذه العملية. وتشير بيانات المنظمات الدولية إلى أن هذه المسألة لا تقتصر على كونها قضية ثنائية، بل إنها أصبحت مشكلة على نطاق عالمي.
إن تموضع التركمان كجسر ثقة بين أنقرة وبغداد يفتح بعداً استراتيجياً جديداً في علاقات البلدين. وفي هذا السياق، فإن تعزيز الدور الدبلوماسي للتركمان سيسهم في استقرار العراق الداخلي وفي استدامة العلاقات العراقية–التركية. وتبقى أزمة المياه ليست مجرد مشكلة بيئية، بل دينامية أساسية ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية ستواصل تشكيل مستقبل العراق وعلاقاته مع تركيا.